فخر الدين الرازي

15

تفسير الرازي

وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر * ( تبغون ) * بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على المغايبة ، وقرأ المسلمي * ( أفحكم الجاهلية ) * برفع الحكم على الابتداء ، وإيقاع * ( يبغون ) * خبراً وإسقاط الراجع عنه لظهوره ، وقرأ قتادة * ( أبحكم الجاهلية ) * والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام بالجاهلية ، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيّين حكماً كأولئك الحكام . المسألة الثانية : في الآية وجهان : الأول : قال مقاتل : كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام ، فلما بعث تحاكموا إليه ، فقالت بنو قريظة : بنو النضير إخواننا ، أبونا واحد ، وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فإن قتل بنو النضير منا قتيلاً أعطونا سبعين وسقاً من تمر ، وإن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً من تمر ، وأروش جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فقال عليه السلام : فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضري ، ودم النضري وفاء من دم القرظي ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ، ولا جراحة ، فغضب بنو النضير وقالوا : لا نرضى بحكمك فإنك عدو لنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية * ( أفحكم الجاهلية يبغون ) * يعني حكمهم الأول . وقيل : إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه ، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به ، فمنعهم الله تعالى منه بهذه الآية ، الثاني : أن المراد بهذه الآية أن يكون تعييراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى . ثم قال تعالى : * ( ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) * اللام في قوله * ( لقوم يوقنون ) * للبيان كاللام في * ( هيت لك ) * ( يوسف : 23 ) أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون ، فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ، ولا أحسن منه بياناً . قوله تعالى * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * اعلم أنه تمّ الكلام عند قوله * ( أولياء ) * ثم ابتدأ فقال * ( بعضهم أولياء بعض ) * وروي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبرأ عنده من موالاة اليهود ، فقال عبد الله بن